محمد راغب الطباخ الحلبي
98
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
وإنه لمن بيتها شفاها ووجاها . وولي ما طلب من تداريس عدة بحلب ، واجتذب إليه قلب الصغير والأسن وخالط الناس وهو الحسين بخلق حسن ، وغني بصحبة الناصري محمد ابن السلطان الغوري إذ كان بحلب في مستلذاته ومسرات لياليه وليالي مسراته . وحج وجاور وبذل في المجاورة كثير المال في قرى الخلان على أوفق الآمال . ثم عاد إلى حلب والوافدون من الحجاز وغيره إلى الباب العالي ، ومن الباب العالي إلى الحجاز وغيره يفدون عليه وينزلون عنده بالشرفية فيتلقاهم بالقرى والموائد الحسنة ويستفيد عند عشرتهم ما يستفيد سنة بعد سنة ، حتى صارت كأنها مكان سبيل لا مدرسة فقيه نبيل ، ثم اعتزل عنها وعن سكنى ما كان يسكنه داخلها ، فاشترى وراءها البيت المنسوب إلى بعض القارئين القاطنين بدمشق وغيره ، واستحكر من علو سوق الطواقية وما يليه الجاري في وقف الجامع الكبير شيئا ، فعمر فوقه قصرا منيفا مشرفة شبابيكه على صحن الجامع المذكور . وكان قد سألني في شيء من شعري يكتب به فقلت مضمنا : اصعد إلى ربعنا العالي ونل فرحا * وانظر إلى الجامع الأسنى وفز بدعا وقرّ عينا بكلتا الحالتين وقل * ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ثم تأهل ببنت التقويّ أبي بكر بن قرموط أحد تلامذة جده ففاز معها في بيت أبيها بعيشة العمرين ، فما مضى له معها القليل إلا وأحرقه بوفاتها بالطاعون الغليل ، وكذا بوفاة بنيه إلا الفاضل جلال الدين المكتوب إليّ على يده من شعر أبيه : يا أيها المولى الذي لم يزل * له بقلبي منزل لا يرام وماجد طابت أصول له * وعالم قد فاق بين الأنام وصاحب الفضل الذي فضله * وأف جليل مثل سجع الحمام جلالنا سار لإحسانكم * يروم درسا نافعا يا إمام سررت لما سار يبغي العلا * وقلت يا بشراي هذا غلام فوجّه الهمة يا سيدي * نحو جلال الدين نجل الكرام لعله يبلغ شأو العلا * وشيخه يبلغ منه المرام « * »
--> ( * ) البيت ملفق من بيتين هما :